عبد الرحمن بن اسماعيل بن ابراهيم ( أبي شامة المقدسي / أبي شامة الدمشقي )

68

المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز

قال عمر : فقمنا حتى جلسنا على باب المسجد فأرسلت إلى أبيّ بن كعب فجاء ، فوجدنا مع أبيّ كتبا مثل ما وجدنا عند جميع الناس . ومنها : أن عمر بن الخطاب جعل يذكر قتلى اليمامة وما أصيب من المسلمين وأن القتل يومئذ استحر بأهل القرآن ، ثم يقول : جعل مناد ينادي : يا أهل القرآن ، فيجيبون المنادي فرادى ومثنى ؛ فاستحر بهم القتل ، فرحم اللّه تلك الوجوه لولا ما استدرك خليفة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من جمع القرآن لخفت أن لا يلتقي المسلمون وعدوهم في موضع ، إلّا استحر القتل بأهل القرآن . وفي رواية : لما قتل أصحاب اليمامة دخل عمر بن الخطاب على أبي بكر رضي اللّه عنهما فقال : إن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم تهافتوا في القتل يوم اليمامة كما يتهافت الفراش في النار ، وإني أخاف أن لا يشهدوا مشهدا ، إلا فعلوا ذلك ، وهم حملة القرآن ، فيضيع القرآن ويذهب . قال القاضي أبو بكر : ومن تأمل مجيء هذه الأخبار وألفاظها علم وتيقّن أن أمر القرآن كان بينهم ظاهرا منتشرا ، وأن حفّاظه إذ ذاك كانوا في الأمة عددا عظيما وخلقا كثيرا . قال : وروى موسى بن عقبة « 1 » عن ابن شهاب أنه قال : إن المسلمين لما أصيبوا باليمامة فزع أبو بكر رضي اللّه عنه إلى القرآن ، وخاف أن تهلك منه طائفة ، وإنما كان في العسب والرقاع ، فأقبل الناس بما كان معهم وعندهم . حتى جمع على عهد أبي بكر رضي اللّه عنه ، فكتبوه في الورق وجمعوه فيه . وقال أبو بكر : التمسوا له اسما ، فقال بعضهم : السّفر . وقال بعضهم : كان الحبشة يدعونه المصحف . قال : فكان أبو بكر أول من جمع القرآن في المصحف . وعن أسلم مولى عمر قال : اختلف الناس في القرآن فجعل الرجل يلقى الرجل في مغزاته فيقول : معي من القرآن ما ليس معك ، أقرأني أبيّ بن كعب كذا وكذا ، ويقول هذا : أقرأني عبد اللّه بن مسعود كذا وكذا ، فلما رأى ذلك عثمان شاور فيه أهل القرآن من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم ، فرأوا أن يجمعوه في مصحف واحد ، ثم يفرق في البلاد مصحفا مصحفا ، ثم تحرق سائر الصحف . فدعا عثمان رضي اللّه عنه أربعة نفر ، ثلاثة من قريش ورجلا من الأنصار : عبد اللّه بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص وزيد بن ثابت فقال : انسخوه . فنسخوه على هذا التأليف ، وقال : ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على ما تقولون أنتم ، فإن القرآن أنزل على لسان قريش ؛ فنسخوا القرآن في مصحف واحد حتى فرغوا منه ، ثم

--> ( 1 ) هو موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي المدني ، مولى آل الزبير بن العوام ، من صغار التابعين ، توفي سنة 141 ه . صنف « كتاب المغازي » . ( انظر : كشف الظنون 6 / 477 ، تهذيب التهذيب 10 / 360 ، تذكرة الحفاظ 1 / 139 ) .